السيد عباس علي الموسوي

29

شرح نهج البلاغة

بلادها ) صفة العبودية للهّ من أرفع الأوصاف وأجلها وهي ترادف التحرر من جميع العبوديات الأخرى التي تتجسد في المال والمنصب والأهل والعشيرة والقومية والعنصرية ، فإن من كان عبدا للهّ يرفض أن يكون عبدا لهذه الأمور وبمقدار تعمق هذه العبودية يكون التحرر والانطلاق ، فإن من كان عبدا للهّ لا يرضى أن يكون عبدا للمال فلا يذل نفسه ولا يهينها من أجل حفنة من الدراهم يتقاضاها رشوة ، أو يمد يده إليها ليسرقها أو يساوم على كرامة أمته ووجودها وكذلك العبودية للهّ يرفض على أساسها أن يكون المسلم عبدا لشهواته . . . وغيرها من الأصنام والآلهة المصطنعة . . . ولعظم هذه الصفة - العبودية للهّ - نرى أن اللّه وصف رسوله الكريم بها يقول تعالى شأنه : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بعِبَدْهِِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حوَلْهَُ فلم يقل سبحان الذي أسرى بمحمد أو بالرسول أو بأبي القاسم بل جاء بصفة العبودية التي تمثل الشرف والسمو والكرامة بمنتهى درجاتها . ولشرف هذه الصفة نرى أن اللّه يصف بها أنبياءه ، فهذا شيخ الأنبياء إبراهيم يقول اللّه تعالى في حقه : سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إنِهَُّ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ . وهذا موسى وهارون يقول تعالى عنهما : سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ . وهذا عيسى يحكي اللّه عنه واقع أمره : لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً للِهِّ . . . . وكذلك جرى ذكر الأنبياء كلهم بالعبودية ، نوح وأيوب ويعقوب وإسحاق وزكريا وداود ولوط وغيرهم . . . وهذا كله يدلّل على أن هذه الصفة لها مرتبة عليا عند اللّه وبمقدار ما يكون الإنسان عبدا للهّ ومطيعا له يكون متحررا ومنطلقا . وإن أمير المؤمنين يعترف بعبوديته للهّ ويجسد ذلك في جميع تصرفاته وأعماله فلا يخرج عن هذه العبودية طيلة حياته فهو في خطّ اللّه الذي رسم لعباده وأمرهم بانتهاجه ، هو عبد اللّه عندما كان يجاهد بين يدي النبي - صلّى اللّه عليه وآله - وهو عبد اللّه عندما انحرفت عنه الخلافة وجلس في بيته وهو عبد اللّه عندما عادت إليه وتولاها فهو عبد اللّه في جميع أحواله ، وكذلك يجب أن يكون المؤمنون ، بنفس الخط وفي ذات الاتجاه عبيدا للهّ ، وللهّ فقط . . . وهذه الأمور الأربعة هي غاية الحاكم المسلم ، فمن أجلها يرغب في الأمرة والولاية ، إن استطاع أن يقيمها بحدودها ويرعاها بشرائطها ، ومن هنا كان الإمام علي